16 فبراير 2023
الوعي الذاتي: مفتاح تنظيم التوتر ومنع الإرهاق
العمل هو جانب مهم من حياة غالبية الأشخاص اليومية، ولا يمكن فصله تماماً عن الحياة الشخصية. حيث يحمل الموظف معه صفاته، مزاجه، ومشاعره، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على من حوله. ومن هنا تأتي أهمية تطوير مهارة ضبط المشاعر، والتي تعتبر جانباً مهماً من جوانب الذكاء العاطفي.
ما هو ضبط المشاعر وما أهميته؟
إن إدراك التأثير الذي يمكن أن تتركه المشاعر الشخصية على المحيط هو أمر في غاية الأهمية لا سيما لأولئك الذين يشغلون مناصب قيادية وإدارية، فالمشاعر السلبية تنتقل بسهولة إلى الآخرين. وحين يأتي المدير إلى مكان العمل مثقلاً بالمشاعر السلبية، لا بد أن يشعر الموظفون من حوله بتلك المشاعر، فتخيم السلبية على مكان العمل وتؤثر على أداء الموظفين والعمل الجماعي والإنتاجية.
ومن هنا، فإن تعلم مهارات ضبط المشاعر وتطويرها هو أمر يتوجب فعله على كل موظف مهما كان المنصب الذي يشغله لضمان بيئة عمل إيجابية تشجع على الإنجاز. ومن الجدير بالذكر أن ضبط المشاعر لا يعني كبتها بأي شكل من الأشكال، بل يعني كيفية التعامل مع المشاعر والتعبير عنها بطريقة صحيحة وواعية.
تقبل المشاعر هو الخطوة الأولى والأهم
إن امتلاكنا للقدر الكافي من الوعي الذاتي يمكننا من إدراك مشاعرنا والتعامل معها بشكل أفضل، فهو ما يمنحنا ذلك التقبل الذي يمثل الخطوة الأولى نحو إتقان مهارة ضبط المشاعر.
من المهم جداً أن ندرك بأن مشاعرنا هي جزء لا يتجزأ من إنسانيتنا، والأهم هو أن نتجرد من إطلاق الأحكام على تلك المشاعر، فليس هناك مشاعر جيدة وأخرى سيئة! بل نحن كبشر نعيش النقيضين، نحزن ونفرح، نخاف ونأمن، نقلق ونطمئن. ولا يمكننا بأي شكل من الأشكال أن ننكر أو نتجاهل تلك المشاعر إيجابية كانت أم سلبية، فتجاهلها يزيد الأمور سوءاً ويفقدك السيطرة عليها والتحكم بها.
ثبت علمياً أن كبت المشاعر، ولا سيما السلبية، يتسبب بالعديد من المشاكل الصحية الجسدية والنفسية. كما أنه يتسبب في المقابل بفقد الاستمتاع بالمشاعر الإيجابية. ما نحتاجه حقاً هو تقبل تلك المشاعر، ومنح أنفسنا المساحة الكافية كي نعيشها بكل تفاصيلها، وحينها فقط نتمكن من تخطيها والتحرر منها، حينها فقط يمكننا ضبطها بالشكل الأمثل.
تذكر دائماً أن المشاعر هي أمر مؤقت، ومهما بلغت من السلبية فلن تعيشها للأبد، لذا اسمح لنفسك بأن تعيشها لتلك الفترة المؤقتة، ثم دعها تمضي وترحل بعيداً.
ما هي بعض التقنيات التي تساعد في تطوير مهارة ضبط المشاعر؟
يجب التنويه مجدداً بأن مهارة ضبط المشاعر هي أبعد ما تكون عن كبت المشاعر، فهي المهارة التي تمكننا من التعامل مع مشاعرنا بشكل صحي، والتعبير عنها بأفضل شكل ممكن. ومن الشائع أن المهارات هي أمر مكتسب وتحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت حتى يتمكن الإنسان من إتقانها. لذلك اخترنا أن نقدم لك بعض التقنيات التي من شأنها أن تساعدك في تطوير مهارة ضبط المشاعر لديك، وكل ما تحتاجه هو التدريب المستمر على هذه التقنيات إلى أن تتقنها بشكل عفوي وتلقائي.
تسمية المشاعر:
إن الدماغ البشري لديه آليات محددة للتعامل مع المشاعر القوية دون التمييز بينها بشكل دقيق. فحين تنتابنا مشاعر سلبية قوية على سبيل المثال، يقوم الدماغ بإفراز هرمونات التوتر في الجسم كآلية لحمايته. ولكن تلك المشاعر قد لا تكون خطراً يستوجب إفراز هرمونات التوتر بشكل كبير. في هذه الحالة، وعندما نقوم بتسمية الشعور الذي نشعر به في الوقت الآني، فإننا نساعد أجزاء أخرى من الدماغ غير تلك المسؤولة عن إفراز هرمونات التوتر على إرسال إشارات لتهدئة الجسم. إذاً، فتسمية المشاعر هي حيلة بسيطة يمكنك اللجوء إليها في كل مرة تواجه مشاعر قوية كي تخفف التوتر الذي ينتاب دماغك وتساعد جسدك على الهدوء. وبذلك فأنت تساعد عقلك في كل مرة على التعرف إلى شعور جديد، مما يسهل عليه التمييز بين المشاعر المختلفة والقيام بالاستجابة المناسبة.
إدراك الأحاسيس الجسدية:
من الطبيعي أن يترافق الشعور مع أحاسيس جسدية معينة تختلف من شعور إلى آخر. فعند القلق على سبيل المثال يشعر الإنسان بشعور الفراشات ف المعدة، وعند الغضب يشعر بحرارة في جسده. يساعدك إدراك تلك الأحاسيس في فهم مشاعرك بشكل أفضل والتنبؤ بها أيضاً، وبالتالي تكون لديك قدرة أكبر على ضبطها والتحكم بها.
استكشاف المحفزات:
الشعور ليس وليد اللحظة ولا يولد من العدم، بل يحدث استجابة لمحفز ما. ونحن في الغالب لا نلقي بالاً لذلك المحفز، ونغرق عوضاً عن ذلك في الشعور الذي تولد استجابة له. قد يكون ما يحفز شعورك هو ذكرى مرت على بالك بسبب رائحة معينة عبقت في المكان أو صوت مر على سمعك يرتبط بحدث ما دون أن تدرك. وقد يكون حدثاً أو تجربة كفقد شخص عزيز أو استلام منصب جديد.
يساعدك التدوين في استكشاف تلك المحفزات، وعندما تكتشفها ستصبح دون شك أكثر وعياً بالمشاعر التي تراودك. الأمر الذي يجعلك تتحكم بمشاعرك بشكل أفضل، فقد تتخذ إجراء احترازياً على سبيل المثال يمكنك من تفادي الشعور، كأن تتجنب التواجد في مكان ما يولد لديك ذكريات أليمة.
الابتعاد عن تكرار الأفكار:
إن تكرار الأفكار والاستغراق في التفكير بنفس الفكرة لوقت طويل مراراً وتكراراً يتسبب بتشويش الدماغ ويجعلك تغرق في دوامة من المشاعر السلبية دون أن تدرك ما هي فعلياً وما هي مسبباتها. وهذا كله يؤثر على أدائك الوظيفي ويقلل من إنتاجيتك في العمل أيضاً، عدا عن تأثيره على علاقاتك والجوانب الأخرى من حياتك. وكي تتجنب تكرار الأفكار ننصحك بأن تكون حاضر الذهن خلال يومك قدر المستطاع. يساعدك ذلك على أن تكون أكثر وعياً بما يحدث حولك وأكثر وعياً بالمؤثرات المحيطة بك. كما ننصحك بتدوين أفكارك، فذلك يساعد في اكتشاف أنماط التفكير المختلفة لديك ويمكنك من التعرف على أفكارك بشكل أوضح والنظر إليها من خارج الموقف.
الحديث عن المشاعر:
تحدث عما تشعر به مع صديق مقرب أو شخص تثق به، فالحديث عن المشاعر يجعلك تفهمها بشكل أعمق، ويساعدك على الانفصال عنها والتفكير بها وإدراكها بشكل مختلف. فعندما ينتاب الإنسان شعور ما، يشعر لوهلة وكأنه هو الشعور، ولا يمكنه فصل مشاعره عن ذاته. لذلك يعتبر الحديث عن المشاعر أحد التقنيات الناجحة لإدراكها وضبطها.
إعادة النظر في الاستجابة للمشاعر:
قد لا يكون لدينا الخيار في الاستجابة الأمثل للمشاعر التي تنتابنا، ولكن ذلك صحيح فقط في حال لم يكن لدينا الوعي الكافي بمشاعرنا. أما مع اتباع التقنيات السابقة وامتلاك الوعي بالمشاعر، يمكننا تحديد الاستجابات التي نرغب بها بدلاً من الاستجابة للمشاعر بشكل تلقائي وغير مدروس.
الحديث الذاتي الإيجابي:
لا يسعك أن تتخيل مدى تأثير ذلك الحديث الذي يدور بينك وبين نفسك على قدراتك ومهاراتك وحياتك بشكل عام. لذلك عليك الانتباه جيداً لذلك الحديث، وحاول قدر الإمكان أن يكون بعيداً كل البعد عن السلبية واللوم. فكلما كان حديثك مع ذاتك إيجابياً، كلما زاد وعيك وزادت قدرتك على إدراك مشاعرك وضبطها والاستجابة لها بأفضل شكل ممكن.
ممارسة التأمل وتمارين التنفس:
تساعد هذه التمارين على تعزيز التواصل بين العقل والجسد، ما يضمن أن تكون ردات الأفعال مدروسة وأكثر عقلانية. فضعف التواصل بين العقل والجسد يسبب التشتت، حيث يستجيب الدماغ دون أن يتواصل مع الجسد، وينتج عن ذلك ردات فعل عشوائية. أما عندما يكون التواصل مع الذات قوياً، يكون هناك نوع من التناغم والانسجام، وتكون لديك قدرة أكبر على إدارة أفكارك ومشاعرك وضبط الاستجابة لها.
